الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

340

نفحات الولاية

كما صرّح بذلك الأدباء بأنّ المضارع المتحقق الوقوع بمنزلة الماضي . والعبارة « قد قامت على قطبها » إشارة إلى أنّ راية الضلالة التي سترفعها الطغمة الفاسدة والمفسدة من بني أمية على درجة من الثبات والرسوخ بحيث لا يمكن الإطاحة بها بهذه السهولة . والعبارة « تفرقت بشعبها » وإن بدت ظاهراً في تفرق فروع هذه الراية ، إلّاأنّ المراد في الواقع فرقة الأنصار في البلاد الإسلامية ، ثم قال عليه السلام : « تكيلكم « 1 » بصاعها ، وتخبطكم بباعها « 2 » » في إشارة إلى أنّهم يحملونكم على أساس معاييرهم ، فمن وافقها رغبوا فيه وإلّا فلا ، كما يحتمل أن يكون المراد بالعبارة الأولى أنّهم يمسكون بجميع مقدراتكم ، ويعطون لكل شخص ما يريدون . والعبارة « تخبطكم بباعها » بالنظر إلى « تخبط » التي تعني تساقط ورق الأشجار بضرب الخشب وباع بمعنى الأيدي المفتوحة إشارة إلى أنّهم يستذلونكم بكل ما أوتوا من قوة ، وهذا هو أسلوب الحكام الظلمة الذين يحرقون الأخضر واليابس في البلاد . وهذا هو أسلوب الحكومات المستبدة التي تسوق الجميع حسب معاييرها ويفنى كل من يخالف تلك المعايير . ثم يصف عليه السلام هذه الحكومة الجائرة بأنّها خارجة عن الإسلام ، وقائمة على أساس الضلال والفساد : « قائدها خارج من الملة ، قائم على الضلة » . هذه العبارة التي تشير إلى معاوية أو سائر حكام بني أمية ، ناظرة إلى هذه المعنى وهو أنّ زعماء هذه الجماعة ليس فقط لا يعملون على ضوء قوانين الإسلام ويتجاوزون ضروريات الدين فحسب ، بل أساس عملهم ونشاطهم هو الضلال ؛ الأمر الذي يشهد به التأريخ . ثم أشار عليه السلام إلى النهاية الماء ساوية لهذه الأحداث في أنّه لا يبقى منكم آنذاك إلّاالنزر اليسير كالذي يتبقى في قعر القدر فإذا حرك وقع : « فلا يبقى يومئذ منكم إلا ثفالة « 3 » كثقالة القدر ، أو نفاضة « 4 » كنفاضة الحكم « 5 » » .

--> ( 1 ) « تكيل » من مادة « كيل » على وزن ذيل بمعنى المكيال وتستعمل عادة في المواد الغذائية كاحنطة والشعير ، كما تستعمل في غيرها مجازاً . ( 2 ) « باع » يعني في الأصل المسافة بين أصابع اليدين ، حين يفتحها نحو اليمين أو اليسار بصورة تامة ، كما يستعمل مجازاً بمعنى القدرة الكاملة للإنسان . ( 3 ) « ثفالة » من مادة « ثفل » هو ما استقر تحت الشيء من كدره . ( 4 ) « النفاضة » من مادة « نفض » على وزن نبض ما يسقط بالنفض . ( 5 ) « العكم » بمعنى الكيس الذي يحفظ فيه الأشياء .